تأملات نفسية للرخاوى فى مفهوم " الكبير " فى التراث الشعبى
بقلم : أحمد حمدى حسن حافظ
" اللى مالوش كبير ، يشتريله كبير " يؤكد هذا المثل
اربعة اشياء :
1 - اننا كبشر صغار مهما كبرنا
2 - حاجتنا
الى الكبير حاجة اصيلة لا يمكن الاستغناء عنها .
3 - الكبير ان لم يوجد طبيعيا او تلقائيا يمكن ان يصنع
تصنيعا ( او يشترى شراء )
4 - ثمة تناقض بين كون الكبير مشترى وبين انه يتحمل الاعتماد
وتوجيه المسار ( المماليك اشتريناهم ليحكمونا )
فهما كانت قوتنا وقدرتنا ومعرفتنا نحن
بحاجة الى الاخر وهذا لا يتعارض مع الثقة
بالنفس ( الاعتمادية الصحية ) وهذا يؤكد
خرافة الاعتماد المطلق على النفس التى سادت فى الغرب فى العصر الحديث وتكلم عنها
ستيفن ار كوفى لقد تعلمنا فى المدارس ان
الاعتماد على الذات هو شيئ مهم وحيوى وذو قيمه كبيرة ، وانه من الشجاعة ان نعتمد
على انفسنا فى تحقيق صالحنا الشخصى .
ولكن بنظرة سريعه يمكن لنا ان نتأكد
انه لا يمكن لنا ان نعيش وحدنا دون اعتماد متبادل على بعض نحن البشر ، فيقول ستيفن
" المشكلة أننا نعيش واقع الاعتماد بالتبادل " ، المعتمد على نفسه فى كل
شيئ على سبيل المثال اذا مرض فانه يحتاج الى دكتور ومستشفى وطاقم تمريض حتى يشفى ،
كلنا بحاجة الى بعض هذا مجتمع انسانى وليس غابه ، ويقول ستيفن " وأن أهم إنجازاتنا تتطلب مهارات للاعتماد
بالتبادل تفوق إمكانياتنا الحالية بكثير . " ولقد تغير الخطاب فى الغرب من
الاستقلالية والاعتماد المطلق على الذات الى الاعتماد بالتبادل اى لكل دوره يساهم
مع الاخرين فى اكمال العمل حتى يتحقق الصالح لجماعته وفريقه نحن فى عصر العمل
الجماعى والفريقى ولا يستطيع احد ان يعيش بمفرده ويحقق انجازات لوحده ، ان كلمة
الاعتماد بالتبادل ظهرت مجددا فى كلاسيكيات الثقافة الغربية فى تسعينيات القرن
المنصرم وهى دعوى لان يتحمل كل فرد مسئوليته الاجتماعية ويعاون الاخرين ويضع
صالحهم فى الحسبان فنحن فى مركب واحده ولا يستطيع احد الانفراد فيها ، ان
الحيوانات قد تقيم علاقة تبادل المنفعة بطريقة محدودة فما بال الانسان لا يضع
تبادل المنفعة والاعتماد المتبادل ضمن قيمه فلا احد يفعل شيئ وانجاز ناجح لوحده ،
لقد ادرك الشرق هذا من زمان وهنا كان كيان الاسرة والقبيلة المترابط الذى يعمل كل
فرد فيه لصالح جماعته ويتم اعتماد بالتبادل بينهم فعندما يسقط فرد ضعيف عاجز تكفل
به اسرته وقبيلته كان الكل يضع الصالح العام للمجموعة فوق صالحه لانه يدرك انه لو
سقط ستقوم مجموعته بشيله واحتماله ، يحدثنا الغرب بعد ان نشر ثقافة الانانية
والفردية والاستقلالية عن ثقافة الجماعة والعمل الفريقى والاعتماد بالتبادل وتبادل
المنفعة انها عودة لمجتمع تضامنى تكافلى يعطف فيه الكبير على الصغير ويؤى العاجز
والمحتاج .
و ثمة صراع ملحوظ بين الاجيال وهذا
طبيعى ومهم لتطور الانسانية فى شتى المجالات الاجتماعية والاقتصادية بل والثقافية
ويتبدى الصراع اول ما يتبدى بين الاباء والابناء
فالقيادة للأب كطبيعة المجتمعات الابوية وهى قيادة " ليس بالرغم منه (
معارضة له وخلاص ) ولا تحت امره ( انصياع
تام له ) ولا بدونه(استغناء ) " اى " دون تقديس له او انسحاق تحته
بل تفوق واع فى اطار اعتمادية متبادلة
صحية فهو ليس قيادة وسلطة تحكمية بل سلطة استشاريه فالاب هو صديق وكبير ناصحين
ومستشار بالاضافة الى انه ملجأ ورفيقى طريق ودرب وليس المتحكم بامر السلطة فاذا
كان الكبير يملك الحكمة والمعرفة والخبرة فان الصغير يملك المهارة والقدرة والقوة
لتفعيلها بوعى فلماذا لا يتم التبادل
الاعتمادى الواعى ويعقب الرخاوى بان المشترى تحت امر الشارى فالكبير هنا وهو
المشترى تحت امر الصغير وهو الشارى وربما يتطرق الامر للمماليك الذين اشتريناهم ثم
حكمونا
ننتقل الى المثل الثانى الذى يتأمله
الرخاوى " جبتك يا عبد المعين تعينى اتاريك يا عبد المعين عايز تتعان "
ويؤكد هذا المثل تبادلية الاعتمادية ولو لبعض الوقت مثل مثل " سيبه دا اللى
فيه مكفيه " وهنا ننصح بتبادل الاعتماد بالتناوب " التساند الدورى "
صاحبت صاحب وقلت ف يوم يشيل حملى
جاب حمله التقيل وحطه على حملى
لفيت جميع البلاد على صاحب يشيل حملى
وتعبت وشقيت لكن بدون فايدة
واللى اشتكتله يقولى وانا مين يشيل همى .
الطب النفسى تجارة الصداقة تشترى وقت الطبيب وعواطفه واهتمامه ورأية
بالمال
يا مين يجبلى طبيب يحل لى اشكال
مش بس يكتب دوا ويقولهم ايش كال
يا ما قلبى شايل ومش قادر اقول ايش كان
مفهوم الحكيم عند الرخاوى يتجاوز مفهوم
الطبيب الحكيم وليس الطبيب او الدكتور راعى الصحة بكل ابعادها الصحة الجسمية
والاقتصادية مارا بالصحة النفسية والاجتماعية
انت حكيم ولا تمرجى الحكيم
انا حكيم الصحية
العيان اديله حقنه والمسكين اديله لقمه
فرط الاعتمادية على الطبيب تفرعنه
قالوا لفرعون ايش فرعنك قال ملقتش حد يردنى
رد القاضى
رحاب الناس
يا عينى ابكى وهاتى اللى عندك ولا
تخبيش
دمعك صحيح غالى ولا بيجيش
والدنيا هى كده الحلو مبتديش
انا رحت لطبيب القلوب لا رقت ولا
فادنيش
وقالولى اهل الغرام بالوعد ارضى وعيش
نزلت ساحة الرضا وقابلت فيها درويش (
مكان فسيح تدور فيه الحركة وليس السكون والتسليم ) و
حاز الادب وماشى لابس ثياب من خيش
نظرى بعين الرضا ساعتها ولا سابنيش (
عين الرضا قبول وفهم بما يشمل المعية )
رحنا على المقصورة شفنا الاحبة جيش
وخدت منه العهد وبقيت معاه درويش
والجرح الاليم طاب ( يابا يا
حسين) وسؤالى لقيت له جواب
ما فى شئ كبير ولا عم
من كتاب "مثل وموال قراءة فى النفس الانسانية " دار الهلال
يوليو 1992
فصل فى الحاجة الى "كبير "
الموقع الالكترونى مكتب الفيلسوف الحر

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق