إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الثلاثاء، 14 ديسمبر 2021

تنبيهات ضرورية قبل دراسة التراث الثقافى لشعب ما

 

تنبيهات ضرورية قبل دراسة التراث الثقافى لشعب ما



بقلم : أحمد حمدى حسن حافظ

       فى إطار دبلومة التنمية الثقافية وبإعتبار الثقافة مجموعة من التصورات والأفكار والمعانى والقيم وتشكيلات للصور الذهنية الغير ملموسة والتى تحكم وتتحكم إلى حد كبير فى سلوك الناس و التصرفات البشرية لشعب من الشعوب باعتبار ان لكل شعب خصائص ثقافية معينة تحددها الهوية بعناصرها من لغة وتاريخ و جغرافيا وامال واحلام ومصير مشترك  .

     كان مقرر التراث الثقافى المصرى وقد احترت فى بداية هذا المقرر هل يندرج التراث الثقافى المصرى تحت فروع علم التاريخ - وفى واقع الامر لا غنى عن المعرفة التاريخية باعتبار التاريخ خبرة الماضى للشعوب والتى لها انعكاساتها الثقافية على الحاضر بالضرورة والقطع ومن ثم تصيغ المستقبل وتصيغ الشخصية القومية والهوية الثقافية لشعب من الشعوب - ولكن اذا اخذ التاريخ بعناية وبوعى لطبيعة وكيفية تشكيله ، أم نحن أمام علم الفلكلور كدراسة للواقع حى للثقافة الشعبية والفلكلور كلمة المانية  (Volkskunde) معناها بالعربية (علم الشعوب) و يقابلها باللغة العربية (التراث) tradition وهو الإرث الثقافى المنقول عن الاسلاف ، ظهر مصطلح فلكلور عام 1846 على يد عالم الاثار الانجليزى سيرجون وليام ومن ثم شاع استخدام الفلكلور باعتباره حكمة الشعب ومأثوراته المتوارثة وخصوصياته الثقافيه من طقوس وتقاليد وعادات واعراف ثم اصبح يدل على الابداع الشعبى فى مختلف اشكاله ومن هنا بالتحديد وكونه يدل على الابداع الفنى للشعب ابتعد عند البعض عن مفهوم التراث الثقافى العام للشعب إلى انه اتسع مجال بحثه ليشمل مختلف اوجه النشاط الخلاق للانسان فى بيئته وارتباطه بالثقافة الانسانية ككل .  

      وكما قلنا ان دراسة التاريخ هامة قبل دراسة التراث مع الاخذ بالاعتبار طبيعة علوم التاريخ وكيفية تشكيلها وأهم ما يؤخذ فى الاعتبار هو فوقية النظرة التأريخية للمجتمع ، فعندما يؤرخ المؤرخ للمجتمع يحكى لنا عن تطورات حادثة فى رأس السلطة السياسية والحكم المركزى والادارى ، فيصاغ التاريخ كتاريخ للحكام والملوك والامراء انتصاراتهم وانكساراتهم فى حين يتم عن عمد اغفال دراسة التاريخ الموازى للشعوب من تحت ،  والتى قد لا تتأثر كثيرا بتغيير حاكم او انتصاره او انكساره وان كان هناك تأثير ضئيل  هذا أولا أما ثانيا  فعندما يكتب التاريخ فيكتبه دائما المنتصرون برؤيتهم هم والسؤال الذى يطرح هنا هل لو كانت انتصرت المانيا فى الحرب العالمية الثانية ؟ هل كان سيكتب تاريخ العالم بنفس الطريقة التى يكتب بها الان ؟ ان التاريخ ليس علما موضوعيا بل يعبر دائما عن صوت متحيز للفئة الأقوى التى انتصرت ودام لها الحكم والسلطة .

      ان مشكلة المنهج فى العلوم الانسانية هى الميل الايدولوجى والتحيز فى مقابل الموضوعية العلمية المجردة للعلوم الطبيعية فلا وجود لعلم انسانى تاريخ او غيره خالى من التحيز والميل نحو ايدلوجية الباحث وانحيازاته الفكرية .  

    وقد اخترنا ثمانى كتب معاصرة ارشدنا اليها الاستاذ الدكتور عماد ابو غازى بل وفرها لنا مشكورا تتحدث فى اطار التشكيك فى نزاهة وموضوعية علم التاريخ ورؤيته التقليديه بل وعلم الفلكلور ايضا حيث اكتشفنا ان التراث يخترع اختراعا وعلى الباحث فى هذه العلوم ان يكون لديه وعى بالاشكاليات المنهجية فى صياغة هذه العلوم وقد قررنا اجراء عرض بسيط لاهم الافكار الواردة فى هذه الكتب الثمانية مع الاشتباك النظرى النقدى مع أهم هذه الافكار بالنسبة لنا  :

1 – بروس مازليش : الحضارة ومضامينها ، ترجمة : عبد النور خراقى ، (الكويت ) المجلس الوطنى للثقافة والفنون والاداب ، سلسلة عالم المعرفة ، العدد 412 مايو 2014.  كتاب الحضارة ومضامينها

     وهذا الكتاب بالتحديد يناقش فكرة المركزية الاوروبية (الاستعمارية ) فى العلوم الانسانية بادئا بتعقب ذلك النزوع للمركزية من أيام سقراط والفلسفة اليونانية عندما كانوا يسمون الشعوب الاجنبية الغريبة عنهم البربر او الهمج نافين عنهم التحضر والمدنية .

وهذه الفكرة بالتحديد هى ما احالتنى بلا وعى لكتاب الفيلسوف حسن حنفى علم الاستغراب

2 - حسن حنفى : مقدمة فى علم الاستغراب ، (القاهرة ) الدار الفنية  ،1991.كتاب علم الاستغراب

          حيث شكل الكتاب تعامل حنفى مع الجبهة الأولى لمشروعة الفكرى التراث والتجديد وهى الخاصة بالموقف من الوافد الغربى حيث بدا  كتاب حنفى " علم الأستغراب "   محاولة لإستبدال المركزية الغربية الأوروبية بمركزية شرقية عربية ، فقد عرفنا "علم الاستشراق"   كنوع من دراسة الشرق كموضوع  - موضوع تاريخى متحفى – كما اشار لذلك ادوارد سعيد متبعا ميشيل فوكو فى استثمار السلطة فى خطاب معرفى كما فى الصينيات ،الهنديات ، المصريات ، الاسلاميات . ولذلك تعد كلمة علم المصريات كلمة قبيحة بالنسبة لنا فالمصريات ليس موضوعا الا اذا كان هناك علم الفرنسيات والايطاليات ان موضعة الشعوب كموضوع للدراسة تزيحهها عن المركز عن الانا وتجعلها فى حدود الاخر المدروس وهذا عيب جدا عند حنفى واعوانه .

      جاء حنفى ولم يعجبه ذلك فتعامل بمركزيته هو أى استبدل المركزية من غربية أوروبية إلى شرقيه عربية ليدرس تاريخ الفلسفة الغربية من منظور العلم الشرقى وبعيون عربية . لذلك يكره حنفى ان نقول عنه فيلسوف فينومنولوجيا . فالفيلسوف الغربى غير الحكيم العربى ، ولكن يظل  أيضا - علم الاستغراب - مركزى الفكر استبدل مركز بمركز ولم يعتمد تعدد المراكز كما فى دراسات الفلسفة المقارنة اليوم .

        ولكن تابع حنفى لفيف من الباحثين فصدرت مجلة علم الاستغراب وهى دورية فكرية تعنى بدراسة الغرب وفهمه معرفيا ونقديا عن المركز الاسلامى للدراسات الاستراتيجية ومقره فى بيروت https://istighrab.iicss.iq/

       لكن عندما يأتى نقد المركزية الاوربية من داخلها فى صالح تعدد المراكز ذو المنطق الدائرى الذى يقف الكل فيه سواسية وبعيدا عن المنطق الهيراركى التراتبى الارسطى القديم للاعلى والادنى يكون الامر اصلح واوفى و ليس استبدال مركزية بمركزية وهذا ما عكسه يانج فى كتابه الهام اساطير بيضاء

3 - روبرت يانج : اساطير بيضاء :كتابة التاريخ والغرب ترجمة :أحمد محمود ، (القاهرة ) المشروع القومى للترجمة ، المجلس الاعلى للثقافة 2003.اساطير بيضاء

     فالغرب قد صاغ مجموعة من الاساطير الكاذبة عن الشعوب ربما بحسن نية وبطبيعه المنطق العلمى المستخدم فى هذه المراحل التاريخية ربما هذا جعلها اساطير بيضاء او كذب ابيض ولكن نظرا لاستعمارية الغرب و كلونياليته واستغلاله للشعوب ونهب لثرواتها  نقول انها اساطير سوداء بل ودموية .

     وقد اشار فدوى مالطى دوجلاس إلى اختلاف طبيعة البحث التاريخى العلمى المعاصر فى عصر ما بعد الحداثة وبمنطق ما بعد كولونيالى وما بعد استعمارى فى اعادة كتابة التاريخ من مراكز متعددة وليس من مركزيه غربية وذلك فى كتابه

4 - فدوى مالطى دوجلاس : من التقليد الى ما بعد الحداثة ، (القاهرة ) المشروع القومى للترجمة ، المجلس الاعلى للثقافة 2003.من التقليد الى ما بعد الحداثة

وتابعه كريستيان غراتالو فى كتابه :

 5 – كريستيان غراتالو : هل يجب التفكير فى تاريخ العالم بطريقة اخرى ؟ ت: الهادى التيمومى ، (البحرين ) هيئة البحريين للثقافة والاثار 

     ان الاصوات العالية المتشدقه التى تنادى بالتمسك بالتقاليد (الحث الشوفانى التعصبى ) والتراث باعتبارهم الانعكاسات الحقيقية للشخصية القومية والوطنية ( حيث القوم قومى مركز الكون والاحداث ) وحائط الصد ضد الغزو الثقافى والتبعية للغرب او غيره ليس لها عندى الا كتابين

الاول :

6– بندكت اندرسون : الجماعات المتخيلة : تأملات فى أصل القومية وانتشارها ترجمة: ثائر ديب (بيروت لبنان ) قدمس للنشر والتوزيع 2009 .الجماعات المتخيلة

      وهو ما اتاح الحديث عن قومية كوكبية فى عصر ثورة الاتصالات والمعلومات حيث لاحظ هابرماس الفيلسوف وعالم الاجتماع الالمانى المعاصر تشكل جماعات قومية عابرة للقوميات والدول عبر العالم الافتراضى تجمع بينها مبادئ وقيم وتصورات واحلام وربما اوهام مشتركه مما جعله يتنبأ بنهاية الدولة القومية فالقومية أصلا جماعة متخيلة وبدايات القوميات العابرة للقوميات .

الثانى :

3 – تحرير اريك هوبسباوم تيرنس رينجر : اختراع التراث : دراسات عن التقاليد بين الاصالة والنقل والاختراع ، ت : شرين ابو النجا واخروون مراجعة عاصم الدسوقى ، ( القاهرة )  مطبوعات مركز الدراسات والبحوث الاجتماعية كلية الاداب جامعة القاهرة ط1 2004 .اختراع التراث

     وهذا الكتاب بالتحديد اشار لظاهرة التشكل الكاذب فى الفلكلور وهو ما يوازى تحريف الذكريات فى علم النفس ، وببساطة لشرح هذا هل عكست السيرة الهلالية حقائق تاريخية أم مزيفة بواسطة وعى شعبى جمعى  له رأى آخر وجهة نظر مختلفة ؟ ، أن الحقائق التاريخية تحرف عندما تدخل الوعى الشعبى ويتم اعادة ترتيبها بشكل مختلف تماما ربما مزيف عن الاصل لكن هناك دوافع ودواعى تؤدى لذلك .  وقدم الكتاب تحريفات وتزيفات واختراعات للتراث الاستكتلندى وتراث مدينة ويلز والتراث الهندى والافريقى لبعض المستعمرات

      ويهمنى هنا أن اشير الى اهمية رؤية عالم المستقبليات الفن توفلر للتاريخ بروح مستقبلية حيث قدم تاريخ الحضارة من خلال ثلاث موجات الزراعية والصناعية والتكنولوجية .

5 – الفن توفلر : بناء حضارة جديدة ت:سعد زهران مركز المحروسة للبحوث والتدريب والنشر القاهرة 1996 .بناء حضارة جديدة

وبرغم التفائل الشديد بخصوص "مدينة الشمس " او مجتمع المعرفة حيث كان الظن ان تمكنا الثورة التكنولوجية والاتصالية من تحقيق مجتمع المعرفة بمثاليته كما عرضه الفيلسوف الإيطالي الدومينيكاني توماسو كامبانيلا  فى عصر النهضة 1623 وهو من الاعمال اليوتوبية القديمة . يطالعنا نيكولاس كار فى مقاله أكاذيب جميلة: فنّ التزييف العميق ليعرض  كتابين جديدين يتناولان الوسائط التركيبية (synthetic media) والأخبار المزيفة:

 "كتاب فيليس" للمصوّر جوناس بنديكسن، و"كيف تنشئ الخوارزميات الأخبار الكاذبة وتمنعها" لعالم الرياضيات نوا جيانسيراكوزا.

في مراجعته للكتابين، يتطرق كار إلى جوهر مشكلة عصرنا الرقمي: إن مجرد القدرة على التلاعب / تعديل المحتوى الرقمي يكفي لزعزعة تصورات الواقع وجعل أي معلومات يشتبه في كونها مزيفة. كل محتوى، كل تغريدة، كل صورة تبدو "ما قبل-واقعية"، ضربٌ من منطق كمّي إدراكي وفقاً له قد تكون أي معلومات رقمية صحيحةً أو غير ذلك.

يعد هذا المقال مقدمة ضرورية لما أود عرضه عن "الحقائق الثقافية الاجتماعية المصرية " كما يرصدها دكتور سيد عويس فى كتابه قراءات فى موسوعة المجتمع المصرى 



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الاشخاص ذوى الاعاقة فى التراث الشعبى

  الاشخاص ذوى الاعاقة فى التراث الشعبى بقلم :  أحمد حمدى حسن حافظ الاشخاص ذوى الاعاقة فى التراث الشعبى  من هم ذوى الاعاقة : بناء على الق...